الشيخ محمد رشيد رضا

419

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مارج من نار لا يقتضي عدم تألمهم من النار كما قد يتوهم ، فان بين حقيقة نوع البشر وحقيقة الطين الذي خلق أبوهم منه بونا عظيما يقاس عليه الجن ( والقلوب ) جمع قلب وهو يطلق في اللغة العربية على المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من جسد الانسان إذا كان موضوع الكلام جسد الانسان ويطلق عند الكلام في نفس الانسان وإدراكه وعلمه وشعوره وتأثير ذلك في أعماله على الصفة النفسية واللطيفة الروحية التي هي محل الحكم في أنواع المدركات ، والشعور الوجداني للمؤلمات والملائمات ، أعني أنه يطلق بمعنى العقل وبمعنى الوجدان الروحي ، الذي يعبر عنه في عرف هذا العصر بالضمير وهو تعبير صحيح . واشتقاق العقل من عقل البعير لمنعه من السير ، وفي معنى القلب اللب الذي هو جوهر الشيء ويكثر في التنزيل . ومنه النهية وجمعها نهى ومنه قوله تعالى في سورة طه ( 20 : 128 إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) ومن استعماله في معنى العقل قوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 46 أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) وهي بمعنى الآية التي نفسرها وحذف منها - أو أعين يبصرون بها - استغناء عنه بدلالة ما بعده عليه ، والآيات المبصرة بالأعين في السياحة في الأرض أكثر من المسموعة ، ومن استعماله في معنى الوجدان النفسي قوله تعالى في سورة الزمر ( 39 : 45 وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) وقوله في سورة آل عمران والأنفال ( 3 : 51 و 8 : 12 سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) وقوله في النازعات ( 79 : 8 قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ) فالاشمئزاز والرعب والوجيف شعور وجداني ، لا حكم عقلي ، وقد يستعمل في المعنيين معا والأقرب ان منه فقه القلوب هنا فان الفقه لا يحصل الا بنوع من الادراك يصحبه وجدان يبعث على العمل كما يعلم مما نذكره في تحقيق معناه وقد يتعارض مقتضى العقل والوجدان كوجدان اللذة والألم والحب والبغض التي تحمل على أعمال مخالفة لحكم العقل في المنافع والمضار وسبب استعمال القلب بمعنى الوجدان الحسي والمعنوي وهو الضمير ما يشعر